العورة الحكومية ذكورية


Copied From Barra Magazine : http://www.barramag.com/p1550/

تعدّي حكومي مباشر وصريح على حق المرأة في إعطاء الجنسية لأسرتها،

تزامناً مع محاولات لإقرار قانون انتخابي نتيجته الوحيدة تقسيم لبنان

تحت ذريعة المصلحة الوطنية العليا، تجرأت اللجنة الوزارية بشأن حق المرأة (بتحفظ على اسم اللجنة التي لا تمت بأي صلة لحقوق المرأة) على البعث بتاريخ ١٤ كانون الأول ٢٠١٢ بالقرار والتوصية السرية التالية: “لا حق للمرأة اللبنانية بمنح جنسيتها لا لأولادها ولا لزوجها، فمن شأن ذلك الإضرار بالتوازن الطائفي الديموغرافي في البلاد، وبالمصلحة العليا للوطن”.

ما كان ليشفع بالحكومة هو سرية المحضر، ولكن لحسن حظ المرأة اللبنانية، تسرب إلى العلن، وأصبح بمثابة شهادة بالتمييز الجنسي من حكومة لبنان. لم نكن بحاجة إلى هذا المحضر لنتأكّد أن الحكومة متحيزة ضد المرأة، فمنذ انتهاء الوصاية السورية على لبنان عام ٢٠٠٥، حكومة نجيب ميقاتي هي الأولى الخالية من أي عنصر وزاري نسائي – حتى في حكومات الحريري والسنيورة العنصر النسائي كان فقط صوري لتعبئة رقم – حينها أتت الحجة بعدم “توزير” أي امرأة أنَّ الوضع الراهن والتركيبة السياسية لا تسمح بذلك، وهناك أمور أهم يجب اعتبارها. اعترض المجتمع المدني والنشطاء في حقوق المرأة على هذا الإجحاف، ولكن لا حياة لمن تنادي.

لم يكن من المُتوقَّع أن تتجرأ لجنة وزارية في حكومة “التحيز ضد المرأة” أن تتفق على توصية مُذلّة ومجحِفة بحق ٥٠% من المجتمع. فرأت اللجنة المشؤومة أنَّ “مصلحة وطنية عليا” معينة تعطيهم الحق بالدوس على المادة السادسة عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تؤكد أنَّ للرجل والمرأة حقوق متساوية أثناء الزواج وبموضوع تأسيس الأسرة. كما قررت اللجنة أن تُعرّض سمعة الحكومة للخطر أمام المجتمع الدولي، خاصةً أن لبنان دولة موقعة على الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو). لنتجاهل الدستور اللبناني الذي يكرس المساواة، لأنه لا يُخفَى على أحد، ولسوء الحظ أنَّ تبعية الحكومات المتعاقبة لطالما كانت إلى الخارج.

ما هي المصالح العليا التي تتأثر إن أُقِرَّ هذا الحق؟ إن كان هناك تخوف من الإخلال بالتوازن الطائفي، فالأرقام تبين أنَّ الأقليات الطائفية هي المُستفيد الأكبر من الأمر، فنسبة الطوائف التي تخشى أن يتناقص عددها من المستفيدين من إعطاء الجنسية هي أكبر من نسبة الطوائف عينها من إجمالي عدد سكان لبنان. أو هناك تخوُّف من تجنيس اللاجئين؟ الأرقام نفسها تُبيّن أنَّ عدد النساء اللبنانيات المتزوجات من رجال فلسطينيين لا يتعدى ال٦% من إجمالي عدد النساء المستفيدات من القانون. وإن كان لليمين العنصري أن يكون الحكم كما هي العادة في لبنان، فلربما يجب حرمان عائلات الرجال اللبنانيين المتزوجين من نساء لاجئات، لأنَّ عدد النساء الفلسطينيات المتزوجات من رجال لبنانيين يشكل خمسة أضعاف النساء اللبنانيات المتزوجات من رجال فلسطينيين. من هنا، كل المخاوف العنصرية والطائفية لا مُبرّر لها على الإطلاق، إلاَّ في عقول البعض المغسولة وقلوبهم المعبًّأة بحقد مزمن سببه الحروب الماضية.

بالمقابل، لم يخلُ المحضر من بوادر “إيجابية” تجاه أولاد المرأة اللبنانية، فتضمنت التوصية وجوب منح أولاد المرأة إقامة دائمة، والحق بالتعليم والانتساب إلى المدارس والمعاهد والجامعات كافة والحق في العمل والطبابة، والاستفادة من صناديق ووزارات. بمعنى آخر، يُعطَى ابن اللبنانية جميع حقوقه كمواطن باستثناء حقوقه السياسية والعمل في القطاع العام. ربما يكون إعطاء هذا الكم القليل من الحقوق بمثابة إسكات لقلَّة من أبناء المرأة اللبنانية الذين قد يرضون بأي شيء كونهم مجرَّدين من أي حق، خاصة الطبقة الفقيرة الوطنية المصرَّة على عدم الهجرة من الوطن، وطن الأم رغم الإجحاف بحقهم، هذه الفئة التي ليس لديها أي خيار آخر سوى دفع بدل الإقامة ومواجهة مشاكل في التوظيف والتأمين، فهكذا ضمانات يمكن أن تُسكِتهم. أو ربما أنه ليس للَّجنة الوزارية أي تغطية سياسية تساعدها على إصدار توصية عادلة وغير مجحفة، وهي مضطرَّة على تهميش عائلة المرأة خلافاً للمنطق والضمير.

لم نتفاجأ كثيراً بمضمون التوصية، فهو صادر عن لجنة وزارية معظم أعضائها ينتمون إلى كتل سياسية تعمل في مجلس النواب على إقرار مشروع قانون انتخابي يقسِّم المجتمع اللبناني عامودياً، بشكل أنَّ كل طائفة تنتخب نوابها ضمن الكوتا الطائفية المشؤومة بذريعة المحافظة على المناصفة. ألم يُدرك النواب أنَّه يجب الحفاظ على المناصفة الثابتة أوَّلاً وهي المنصِفة بين الجنسين في حقوقهم السياسية، قبل الحفاظ على مناصفة غير ثابتة بين الطوائف لا يمكن قياسها إلاَّ على أساس طائفة عائلة كل مواطن؟

لكل مواطن حق اعتناق أي دين يختاره، ولكن ذلك لا تعكسه بشكل دقيق دوائر النفوس، فيمكن لنسب كبيرة من المواطنين أن يكونوا مدرَجين تحت أحد الطوائف ولكن معتنقين دين آخر، وحتى لو غيّر المواطن اللبناني طائفته، يبقى أمام الدولة اللبنانية على طائفته عند الولادة، على الأقل بموضوع الترشُّح والانتخاب. يجب إعادة النظر بمنطق مخاوف الطوائف على حقوقها السياسية، فلا يمكن التحدث بمناصفة بين الإسلام والمسيحية، وكلّ مواطن يمكن أن تتغير نظرته للدين والإيمان بين وقت وآخر. بالإضافة إلى ذلك، المناصفة مجحفة بحق كل مواطن يرفض أن يتم تصنيفه ضمن إطار طائفي واحد، من متعددي الثقافات الدينية، من ملحدين وروحانيين غير متدينين. فإن كان لمجلس النواب أن يمثل معتقدات المواطنين الدينية دون انتمائهم ومواقفهم السياسية، فلربما يجب أن تكون الكوتا النيابية على الشكل التالي: لنفترض ١٥ نائباً للملحدين، ٩ نواب لمن يؤمِن بالتقمص، ١١ نائباً لمن يؤمن بالقديسين منهم ٥ يؤمنون بالعجائب الإلهية. ١٠ يتَّبعون تعاليم النبي هذا، و٩ لاتِّباع تعاليم النبي ذاك… إلى آخره. ألا ترون أنَّ ذلك مضحك وغير منطقيّ؟ ولكن رغم تخلُّف هذه الكوتا، إلاَّ أنَّها أكثر دقَّة ومنطقيَّةً من التقسيم الطائفي الحالي.

يجب التسليم بأنَّ الطوائف كما هي في دوائر النفوس غير دقيقة، لذلك يجدر بنا تحرير المجلس النيابي من القيود الطائفية والدينية، وللتأكد من زوال الطائفية من النفوس، ليطعن بنيابة كل كتلة ذات وجهة طائفية حتى لو كانت واسعة الانتشار، بهذه الطريقة فقط يمكن إجبار الناس على التخلي عن طائفيتهم، على الأقل في السياسة. ولنكرِّس المناصفة بين الجنسين لضمان تمثيل نصف المجتمع في المحافل البرلمانية لنضمن إسقاط الثقة بأي حكومة مبنية على التحيز ضد أي من الجنسين وإصدار توصيات كالتوصية تلك.

من المشاكل الأساسية التي تكرّس الذكورية هي مرض الطائفية، فهي تضمن إبقاء الأفكار والأخلاقيات البالية المتوارثة وتضمن ثبات ذكورية قانون الأحوال الشخصية الذي يُحدَّد بحسب الطائفة عند الولادة. كما أنها تمنع تطبيق شرعة حقوق الإنسان أو اتفاقية دولية بشأن حقوق الإنسان، لأنَّ اللبنانيين ليسوا سواسية أمام القانون. فبعض قوانين الأحوال الشخصية التي استبقاها النظام ليضمن توازن وهمي بين الطوائف يسمح بتعدد الزوجات دون تعدد الأزواج وتمييز في الميراث على أساس الجنس. وأهم أخطاء هذا النظام تكمن بالمشكلة الأهم، ألا وهي موضوع حق أسرة المرأة اللبنانية بالجنسية، التي تهدد المصلحة العليا للوطن برأي أقطاب دولة الطائفية الذكورية. ولكن أي وطن يهدد إقرار حق الجنسية لأسرة المرأة اللبنانيَّة؟

يجب أن ندعم كل ما يهدد المصلحة العليا لوطن الطائفية والذكورية، لا بل يجب أن نبحث عن كل الطروحات التي يمكن أن تدمر هذه الدولة، فإن قلَّ شأنها وضعفت، عندها فقط يمكن أن ننشئ على أنقاضها دولة حقيقية، دولة علمانية تساوي بين كل المواطنين. فكل خطوة باتِّجاه تدمير معالم الدولة الطائفية والذكورية، هي خطوة باتجاه زوال الفساد الذي يحتمي بالطائفية. عندها فقط يمكننا أن نحلم بقيام الجمهورية اللبنانية الأولى ما بعد العقود الطائفية الذكورية المُظلِمة.

هناك ثلاثة مواقف يمكن أن يتّخذها القارئ عند قراءة هذا المقال: الموقف الأول هو موافقتي على كل ما كُتِب، ولكن الشعور بخيبة الأمل لأنَّه ربما ما قيل قد يكون تحقيقه بعيد الأمد، خاصةً أن الطبقة الحاكمة هي طائفية وذكورية.

الموقف الثاني أيضاً يوافق على ما قيل، ولكن يرى أنَّ جميع المطالب لا يمكن أن تحقَّق مُجتمعة، لذا علينا بتفتيتها. أنتم محقّون، فالسياسة هي فن الممكن ولنركز جهودنا على موضوع إعطاء الجنسية لأسرة المرأة اليوم بما أنَّ فرصتنا متاحة، ومن ثم نتطرَّق لكلّ موضوع على حدة. لكن هذا لا يعني تفتيت مطالبنا، فالمساواة بين الجنسين مُرتبطة بالنظام العلماني فكراً وتطبيقاً. وبالعمل على خلق إجماع على نقطة معينة، يجب أن نروج للنقطة التالية التي نطمح على تحقيقها بحكم ترابط المطالب.

الموقف الثالث قد يعارض نقطة معينة في المقال ويوقِف القراءة، هذا الشخص مغسول الدماغ لدرجه أنَّه لا أمل من معالجة تطرفه، أنت لست من هذه الفئة لأنك أنهيت المقال. وجِّه تحية لأمِّك، فالأم هي الأرض، وهي من يحمل الولد في أحشائه، وهي الميزان الوحيد الذي يُفترَض أن تُمنَح الجنسية على أساسه. ولو غلب المنطق على أخلاقيات مجتمعنا المتوارثة البالية، ربَّما لكانت الأمور معكوسة، وكنّا اليوم نحاول إعطاء عائلة الرجل اللبناني المتزوج من أجنبية الحق في الجنسية المحرومة منها.

جون أ.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s